أشياء تعلمتها في سنوات الإقامة

By | 19/12/2019| 0 Comments

توقعتُ في فترة الإقامة أن أتعلم كيفية الاعتناء بالمرضى، وقد تعلمتُ بالفعل.. وفي غضونِ ثلاث سنواتٍ اكتسبتُ معرفةً بالدلالات التشخيصية لالتهاب البنكرياس الحاد والعلامات التحذيرية لتليف الكبد وتصنيفات أدوية الطوارئ المستخدمة لعلاج ارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى المئات من الحقائق الطبية الأخرى والأُطر السريرية والمبادئ التوجيهية المبنيّة على الأدلة، لكنني أدرك الآن أن الإقامة قدمت لي أكثر بكثيرٍ من مجرد المعرفة الطبية.. لقد تغيرت، تغيرت عاداتي وطريقتي.. وأدهشني كم تأثرتُ بالجوانب غير الاكلنيكية في فترة الإقامة!

فهمتُ وتعلمت عددًا من الأمور الهامة في تلك المرحلة، أشارككم إياها هنا:

١- تعلم كيف تقدم نفسك للمرضى.

سيتذكر المريض دائمًا انطباعه الأول عنك، ماذا كنت ترتدي؟ هل كنت مبتسمًا أم فزعًا؟  كيف وصفت وقدّمت نفسك إليه؟ هل تهتم بالاستماع له أم تعتقد أنك على صوابٍ بشكل مطلق؟ كلها تفاصيل وأمور قد تكون صغيرة، لكنها تحدد طريقة تفاعل المرضى معك، فانتبه لها.

٢- تعلم أن تستيقظ مبكرًا.

ستكون هناك أيامٌ في الإقامة تنهض فيها من سريرك قبل أن تنهض الشمسُ من سباتها! وقد تكون هذه الأيام في وسط الأسبوع أو نهايته، قد تكون في العطلات والأعياد، سيكون بعض الأطباء في إجازة والبعض الآخر يقضي ليله في الرد على الاتصالات.. عليك أن تتهيأ لكل الظروف والاحتمالات الممكنة.. إن الاستيقاظ المبكر هو مهارة مكتسبة، فابحث عن طريقةٍ لذلك.

٣- تعلم أن تتمالك أعصابك.

ينبغي أن تحافظ على هدوئك في المواقف الضاغطة للغاية، قد تأتي بعض الحالات في فترة الإقامة تتطلب منك قراراتٍ سريعة لكنها مهمة ومصيرية! وأحيانًا تكون مسحوقًا تحت وطأة كونك بمفردك في العناية المركزة بين ليلة وضحاها أو بيدك إجراء ينطوي على نسبة مخاطر عالية، يمتلك البعض قدرةً عفوية على التفكير بوضوح وتقديم أداء جيد تحت الضغط، هذا طبيعي تمامًا بالنسبة إليها، والبعض الآخر يلزمه تدريبٌ قاسٍ ليحتفظ برباطه جأشه، حاول أن تفعل، سيخدمك ذلك طوال حياتك المهنية.

٤- تعلم طرقًا جديدة لتتطور.

عليك أن تتعلم، وأن تعرف كيف تكتسب معارف جيدة وتطور طريقةً لذلك تعينك مدى الحياة، بعد انتهاء الإقامة ستُسحب منك رفاهية الحصول على مناهج دراسية مصممة خصيصًا لك أو مناهج تعليمية راقية أو جداول محددة، لن يكون لديك تقارير صباحية واجتماعات غداء، بدلاً من ذلك، ستتعلم بشكلٍ ذاتي.. شخصيًا، قمتُ بتسجيل جميع الملاحظات الطبية التي أخذتها، أنشأتً واحدةً لكل تشخيص طبي شائع واحتفظتُ بها لأستخدمها كنصائح وتعليماتٍ في ممارستي لاحقًا، وكثيرًا ما ساعدتني حقًا على إنعاش ذاكرتي أو إعادة تعلم حقائق ربما نسيتها.. يستخدم بعض الناس مواقع مخصوصة لحفظ المقالات والملاحظات لهذا الغرض.

٥- تعلم كيفية إعطاء وتلقي الملاحظات.

تُعدّ التعليقات ضرورية لنموّ أي شخصٍ أو فريق ونجاحه، ولكن.. انتبه لطريقة إلقائك للملاحظة وتقديمها، هذا الحرص قد يكون أمرًا صعبًا عليك في البداية، لكن اتبع الآتي: حين تهمّ بإلقاء تعليق اسأل نفسك دائمًا: هل ما أنتقده هو سمة يوجد مجال لتحسينها وتقويتها؟ أم هو انتقادٌ شخصيّ لا حاجة له مهنيًا.. فكر بذلك قبل أن تبادر بتقديم رأيك.

٦- تعلم كيف تعثر على وقتٍ للرياضة.

عليّ الاعتراف بأنني احتقرتُ بعض الشيء قولي للمرضى: عليكم بتناول طعامٍ صحيّ وممارسة التمارين الرياضية وأخذ قسط كافٍ من النوم بينما أخفقتُ أنا شخصيًا في السير على هذه المبادئ، إن وظيفتنا غالبًا ما تكون مرهقة وغير مرنة أو مثمرة، لكنني أعتقد بكل إخلاص أن تغيير نمط الحياة إلى نمطٍ إيجابي ذو خياراتٍ صحية هو ضرورة لتحسين قدرة الأطباء على متابعة مسيرتهم.

٧- تعلم الاستفادة من وقتك المحدود.

في الإقامة تكون منشغلاً أغلب الوقت، مع مرور الأيام، ستتعلم كيف تكون بارعًا في معرفة أيّ سؤال ينبغي طرحه لاستبعاد أكبر عدد من التشخيصات في الوقت نفسه، وستعرف كيف تكتب مذكراتٍ طبية موجزة ودقيقة، إن الممارسة الطبّية للأسف ذات مساحة محدودة جدًا، سينتابك شعور بأن هناك دائمًا المزيد من المرضى لرؤيتهم إنما لا وقت لذلك! الإقامة فرصة مثالية لتبدأ بتعلم إدارة وقتك وفقًا لهذا الواقع المزعج.

٨- تعلم كيف تستمتع بعملك.

من بين جميع العناصر التي ذكرتها، يُعدّ هذا العنصر الأكثر أهمية.. ستؤثر خبرتك في الإقامة بشكلٍ كبير على مشاعرك العاطفية حيال ممارسة الطب، إن تسببت لك بالإرهاق ونقص التقدير وامتلأت بشعور الاستياء من الزملاء والمرضى؛ فأنت عرضة للخطر! وغالبًا ستكون هذه المشاعر المسيطرة عليك كذلك في أول سنواتك من الممارسة المستقلة لاحقًا! إذًا، ما العمل؟ عليك أن تبحث في جوانب وظيفتك عن أشياء تقدّرها وبإمكانك الاستثمار فيها، سواءً كان ذلك بقضاء وقتٍ إضافي في الاستماع إلى المرضى، أو تدريس طلاب الطب، أو إجراء بعض البحوث وما شابه، تعلم حبّ الوظيفة لا يقل أهمية عن أدائها.

وأخيرًا، عليّ القول أن الإقامة هي فترة ذهبية في مهنة الطبّ، إنه وقتٌ جيد لتطوير مهاراتٍ جديدة وصقل القديمة، لتعزيز نقاطِ القوة والقضاء على نقاط الضعف، لتعلم تجارب واكتساب خبراتٍ من الزملاء والمرضى وذويهم كذلك، كما قلت، ستكتسب عددًا من المهارات السريرية، لكن.. ضع في اعتبارك أيضًا ذلك (المنهج الخفيّ) الذي يحوي مهاراتٍ يندر ذكرها والإشارة إليها، لكنها على الدرجة نفسها من الأهمية.. تذكر ذلك.